محمد بن جرير الطبري

488

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

لأنه ليس بينهم وبين أن يصيروا إلى ذلك من رحمته وما أعدّ لهم من كرامته إلا أن تفارق أرواحهم أجسادهم . * * * ولذلك من المعنى ذُكِّر قوله : " قريب " ، وهو من خبر " الرحمة " ، و " الرحمة " مؤنثة ، لأنه أريد به القرب في الوقت لا في النَّسب ، والأوقات بذلك المعنى إذا وقعت أخبارًا للأسماء ، ( 1 ) أجرتها العرب مجرى الحال ، فوحّدتها مع الواحد والاثنين والجميع ، وذكَّرتها مع المؤنث ، فقالوا : " كرامة الله بعيد من فلان " ، و " هي قريب من فلان " ، كما يقولون : " هند قريب منا " ، و " الهندان منا قريب " ، و " الهندات منا قريب " ، لأن معنى ذلك : هي في مكان قريب منا . فإذا حذفوا المكان وجعلوا " القريب " خلفًا منه ، ذكَّروه ووحَّدوه في الجمع ، كما كان المكان مذكرًا وموحدًا في الجمع . وأما إذا أنثوه ، أخرجوه مثنى مع الاثنين ، ومجموعًا مع الجميع ، فقالوا : " هي قريبة منا " ، و " هما منّا قريبتان " ، كما قال عروة [ بن الورد ] : ( 2 ) عَشِيَّةَ لا عَفْرَاءُ مِنْكَ قَرِيبَةٌ . . . فَتَدْنُو ، وَلا عَفْرَاءُ مِنْكَ بَعِيدُ ( 3 ) فأنث " قريبة " ، وذكّر " بعيدًا " ، على ما وصفت . ولو كان " القريب " ، من " القرابة " في النسب ، لم يكن مع المؤنث إلا مؤنثًا ، ومع الجميع إلا مجموعًا . ( 4 )

--> ( 1 ) في المطبوعة : " إذا رفعت أخبارًا " ، لم يحسن قراءة المخطوطة . ( 2 ) هكذا جاء في المخطوطة والمطبوعة ، والصواب أنه " عروة بن حزام " ، كما سترى في التخريج ، وكأنه سهو من الناسخ وزيادة منه ، فإن هذا كله تابع فيه أبو جعفر ، الفراء في معاني القرآن ، والفراء لم يذكر سوى " عروة " ، فزاد الناسخ سهوًا " بن الورد " . ( 3 ) معاني القرآن للفراء 1 : 381 ، على ما ذكره أبو جعفر ، وهو نقله عنه . والبيت في ديوان عروة بن حزام ، وفي تزيين الأسواق 1 : 84 ، والبكري في شرح الأمالي : 401 ، من شعر له صواب إنشاده على الباء : عَشِيَّة لا عَفْرَاءُ مِنْكَ بَعِيدَةٌ . . . فَتَسْلُو ، وَلا عَفْرَاءُ مِنْكَ قَرِيبُ وَإنِّي لَتَغْشَانِي لِذِكْرَاكِ فَتْرَةٌ . . . لَهَا بَيْنَ جِلْدِي وَالْعِظَامِ دَبيبُ ( 4 ) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 381 ، ومجاز القرآن لأبي عبيدة 1 : 216 ، 217 . .